ابن تيميه
199
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
هريرة قد نسي الحديث ، أو يقال لم يكن سمعه وهو ضعيف ، أو يكون ما في الصحيحين هو الصواب دون قصة بصرة بن أبي بصرة . نعم الذي أقرّ عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين هو السفر إلى مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وهذا مستحب مشروع بالنص والإجماع . والإنسان إذا أتى مسجده فصلى في مسجده ما يشرع له من الصلاة والصلاة على الرسول والتسليم والثناء عليه ونشر فضائله ومناقبه وسننه وما يوجب محبته وتعظيمه والإيمان به وطاعته ، فهذا كله مشروع مستحب في مسجده ، هذا هو المقصود من الزيارة الشرعية . والسفر إلى مسجده للصلاة فيه وما يتبع ذلك مستحب بالنص والإجماع . ولكن كلام المعترض يشعر بأن المجيب ينهى عن السفر إلى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وزيارته الزيارة الشرعية ، وأنه حكى في ذلك قولين ، وبهذا يشنّع بعض الناس ممن له غرض فاسد ، أو جهل بما يقال ، أو جمع الأمرين وهذا باطل ، وكلام المجيب في أجوبته الكثيرة ومصنفاته كلها بيّن أن السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية مستحبّ باتفاق المسلمين لم ينه عنه أحد . وهذا الذي اتّفق عليه المسلمون وإن تنازعوا في بعض تفاصيل الزيارة الشرعية ، فثم أمور يستحبها بعضهم وينهى عنها بعضهم ، قد ذكرت في مواضع . فمواضع النزاع لا يصح فيها دعوى الإجماع ومحل النزاع لم يذكر في الجواب فيه نزاع ، فإن كان هذا المعترض ظنّ أنه حكى الإجماع على تحريم السفر إلى مسجده وزيارته الشرعية ؛ فهذا خطأ منه ، ليس في الجواب شيء من هذا ، بل فيه تقرير السفر إلى مسجده والزيارة الشرعية ، فإنه جعل عمدة المتنازعين قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » . وقد ذكر المجيب أن هذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحّته والعمل به . فلو نذر الرجل أن يصلي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة الأربعة ، ولو نذر أن يسافر ويأتي إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب ذلك باتفاق العلماء ، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد ، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده الوفاء بالنذر إلا فيما كان من جنسه واجب بالشرع . وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة ، كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ومن نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه » . والسفر إلى المسجدين طاعة ، فلهذا وجب الوفاء به . وأما السفر إلى غير المساجد الثلاثة ؛ فلم يوجبه أحد من العلماء ، هكذا في الجواب ، والشافعي رحمه اللّه في القول الذي لا يوجب فيه السفر إلى المسجدين